الجمعة، 24 فبراير 2017

كيف تمكن السوري ستيف جوبز بعبقريتة المطلقة من تاسيس شركة ابل

ليس طويلًا بعد زواجه، في عام 1991، انتقل ستيف جوبز وزوجته إلى منزل على طراز كوستولد في بالو ألتو القديمة. دائمًا ما وجد جوبز صعوبة في تأثيث المنازل التي عاش بها. فمنزله السابق لم يحتوِ إلا على مرتبة، وطاولة وبضعة كراسي. دائمًا ما أراد الأشياء أن تكون على حد الكمال، والوصول لما هو كامل يحتاج إلى وقت. هذه المرة كان لديه زوجة وأسرة على إثره، لكن ذلك لم يشكل فارقًا كبيرًا. تقول زوجته لورين باول لوالتر آيزاكسون في كتابه “ستيف جوبز، السيرة الأخاذة لمؤسس شركة آبل”، تقول: “تحدثنا عن الأثاث نظريًا لمدة ثماني سنوات، قضينا وقتًا طويلًا نسأل أنفسنا، ما الغرض من الأريكة؟”.

لكن الأمر الذي أثبت أنه كان الأكثر تنغيصًا، كان اختيار الغسالة. اكتشف جوبز أن الغسالات الأوروبية تستهلك كمية من الماء والمسحوق أقل من نظيراتها الأمريكية، كما أنها كانت ألطف على الملابس. لكنها تستغرق ضعف المدة لإكمال دورة الغسيل. ماذا ينبغي على الأسرة أن تفعل؟ كما يقول جوبز، “قضينا شطرًا من الوقت في الأسرة نتناقش حول التضحية التي نود القيام بها. انتهى بنا المطاف في الحديث طويلًا حول التصميم، لكن أيضًا حول قيم أسرتنا. هل نهتم أكثر للحصول على غسيلنا نظيفًا خلال ساعة مقابل ساعة ونصف؟ أم نهتم أكثر لملابسنا أن تكون ناعمة حقًا وتعيش لمدة أطول؟ هل نهتم لاستخدام ربع الكمية من الماء؟ قضينا أسبوعين تقريبًا نتحدث حول هذا على المائدة في المساء”.

كان ستيف جوبز، كما تؤكد سيرة آيزاكسون، رجلًا معقدًا ومُتعِبًا. “هناك أجزاء من حياته وشخصيته فوضوية للغاية، وهذه هي الحقيقة”، تقول باول لآيزاكسون. و”أنت لا ينبغي عليك تبييض تلك الصفحات”. ومما يحسب لآيزاكسون أنه لم يفعل. تحدث إلى كل شخصٍ في مهنة جوبز، مسجلًا بدقة بالغة محادثات ومقابلات ترجع إلى عشرين وثلاثين سنة. كان جوبز متنمرًا، كما نكتشف من قراءة سيرته. يقول أحد أصدقائه لآيزاكسون: “كان يمتلك قدرة غريبة على معرفة نقطة ضعفك بالتحديد، معرفة ما الذي يجعلك تشعر بضآلتك، القدرة على جعلك تنكمش”. تسبب في حمل صديقته منه، ثم أنكر أبوته للطفل. كان يركن سيارته في الأماكن المخصصة للمعاقين. ويصرخ في مرؤوسيه. يبكي مثل الطفل الصغير عندما لا يحصل على ما يريد. يتم إيقافه بسبب القيادة بسرعة مائة ميل في الساعة، فيفتح بوق السيارة للتعبير عن غضبه من الضابط للتأخر في كتابة المخالفة، ثم يكمل رحلته بسرعة مائة ميل في الساعة. يجلس في مطعم فيعيد الطعام ثلاث مرات. يصل إلى جناحه في الفندق في نيويورك لأجل مقابلات صحفية ثم يقرر، في الساعة العاشرة مساءً، أنه يجب تغيير مكان البيانو، وأن الفراولة غير مناسبة، وأن الأزهار كلها خاطئة: فقد أراد زنابق الكالا. (عندما تعود مساعدته للعلاقات العامة في منتصف الليل بالزهور المطلوبة، يخبرها أن بذلتها “مقرفة”). يكتب آيزاكسون في وصف المصنع الذي بناه جوبز، بعد تأسيسه شركة نكست، في أواخر الثمانينيات “طُليت الآلات ثم أعيد طلاؤها، في كل مرة بينما كان يراجع مخططه للألوان. كانت الجدران بلون أبيض كذلك الذي في المتاحف، مثلما كانت في مصنع الماكنتوش من قبل، وكانت هناك مقاعد جلدية ثمنها عشرون ألف دولار ودرج مصمم خصيصًا.. أصر على أن تعدل الآلات الموجودة على خط التجميع البالغ طوله 165 قدمًا بحيث تنقل لوحات دوائرها من اليمين إلى الشمال أثناء تصنيعها، لكي تظهر العملية بشكل أفضل للزوار عندما يشاهدون من موقع العرض”.

يبدأ آيزاكسون ببدايات جوبز المتواضعة في وادي السيليكون، ثم النصر المبكر في آبل، والخروج المذل من الشركة التي بناها. ثم يعرض لنجاحه الأكبر في بيكسار وآبل العائدة للانتعاش، مع عودة جوبز إليها في أواخر التسعينيات، والتوقع الطبيعي هو أن يخرج جوبز أكثر حكمة وكياسة من رحلته المضطربة. لكنه لا يفعل. في المستشفى في آخر أيام حياته، يرفض سبعًا وستين ممرضة قبل أن يجد ثلاثًا يعجبنه. يكتب آيزاكسون: “في إحدى المرات حاول اختصاصي الصدر وضع قناع للتنفس على وجهه بينما كان مخدرًا بعمق” فرماه جوبز وغمغم بأنه يكره تصميمه ورفض ارتداءه مرة أخرى. وبرغم أنه كان بالكاد يستطيع الكلام، إلا أنه أمرهم بإحضار خمسة تصاميم مختلفة للأقنعة ليختار منها ما يعجبه.. كذلك كره مقياس الأكسجين الذي وضعوه على إصبعه. أخبرهم أنه قبيح ومعقد أكثر من اللازم.

أحد أكبر ألغاز الثورة الصناعية هو لماذا بدأت في إنجلترا؟ لماذا ليس فرنسا أو ألمانيا؟ قُدمت تفسيرات عديدة. مثلًا، بريطانيا لديها موارد وفيرة من الفحم. ونظام براءات اختراع جيد. كذلك كانت أجور العمالة مرتفعة وهو ما شجع على البحث عن ابتكارات توفر العمالة. لكن في مقالة نشرت في وقت سابق من هذا العام، يركز الاقتصاديان رالف ميسينزال وجويل موكير على تفسير آخر: ميزة الثروة البشرية التي تمتلكها بريطانيا – وعلى وجه الخصوص على مجموعة ممن يسمونهم “المعدلون”. إذ يعتقدان أن بريطانيا هيمنت على الثورة الصناعية لأنها امتلكت عددًا أكبر كثيرًا من المهندسين والحرفيين المهرة أكثر من منافساتها: مجموعة من الرجال البارعين المبتكرين الذين أخذوا الاختراعات الكبرى في عصر التصنيع ثم عدلوها – حسنوها وصقلوها، ثم جعلوها تعمل.

في عام 1779 اخترع صامويل كرومبتون، وهو عبقري متقاعد من لانكشاير؛ مغزل القطن، الذي جعل ميكنة صناعة القطن ممكنة. لكن ميزة إنجلترا الحقيقة تمثلت في أن لديها رجالًا مثل هنري ستونز، من هورويتش، الذي أضاف البكرات المعدنية إلى المغزل؛ وجيمس هارجريفز، من توتنجتون، الذي اكتشف طريقة لضمان سلاسة تسارع وتباطؤ عجلة المغزل؛ وويليام كيلي، من جلاسجو، الذي اكتشف كيفية استخدام طاقة المياه في ضربة السحب؛ وجون كينيدي، من مانشستر، الذي عدل العجلة لتنتج لفات دقيقة؛ وأخيرًا، ريتشارد روبرتس، أيضًا من مانشستر، سيد التعديل الدقيق للآلات – معدل المعدلين. الذي اخترع المغزل “الأوتوماتيكي”: وهو رؤية جديدة، متطورة، بالغة الدقة، عالية السرعة وموثوقة لاختراع كرومبتون الأصلي. أمثال هؤلاء الرجال، كما يرى الاقتصاديان، “قدموا الاختراعات الصغيرة الضرورية التي زادت من إنتاجية الاختراعات الكبيرة وجعلتها مجزية من الناحية الاقتصادية”.

هل كان ستيف جوبز صامويل كرومبتون أم أنه كان ريتشارد روبرتس؟ في كلمات التأبين التي ألقيت عقب وفاة جوبز الشهر الماضي، أشير إليه مرارًا على أنه مبتكر وصاحب رؤية من الطراز الكبير. لكن سيرته التي كتبها آيزاكسون تشير إلى أنه يجدر تصنيفه من فئة المعدلين. لقد أخذ الصفات المميزة لجهاز الماكنتوش – الفأرة والأيقونات الموجودة على الشاشة – من المهندسين في زيروكس بارك، بعد زيارته الشهيرة عام 1979. ظهرت أولى مشغلات الموسيقى المحمولة عام 1996. بينما طرحت آبل جهاز الآيبود، في عام 2001، لأن جوبز نظر إلى مشغلات الموسيقى الموجودة في السوق واستنتج أنها “مقرفة حقًا”. بدأت الهواتف الذكية بالظهور في التسعينيات. قدم جوبز الآيفون في 2007، بعد أكثر من عقد لأنه، كما يكتب آيزاكسون؛ “لاحظ شيئًا غريبًا في الهواتف الذكية الموجودة في السوق: كلها مقرفة، تمامًا كما كانت مشغلات الموسيقى”. جاءت فكرة الآيباد من مهندس يعمل في ميكروسوفت كان متزوجًا من صديقة لأسرة جوبز، كان قد دعا جوبز لحفلة عيد ميلاده الخمسين. وكما يخبر جوبز آيزاكسون:

أضجرني ذلك الرجل بحديثه المتواصل عن أن ميكروسوفت سوف تغير العالم بنظام التشغيل هذا المعد للحواسيب اللوحية وسوف تقضي على كل الحواسيب المحمولة، وعندها سوف تضطر آبل لترخيص استخدام نظام التشغيل هذا من ميكروسوفت. لكنه كان يصمم الجهاز بشكل خاطئ تمامًا. كان به مرقم (قلم)، وحالما تستخدم مرقمًا في جهاز كهذا فأنت هالك. في ذلك العشاء كانت تلك المرة العاشرة تقريبًا التي يتحدث إليّ فيها عن ذلك الجهاز وقد كنت مستاءً جدًا إلى حد أنني عدت إلى المنزل وقلت، “تبًا لهذا، أنا سوف أريه كيف يكون الجهاز اللوحي”.

حتى في آبل، كان يُعرَف عن جوبز نسب الفضل لنفسه في أفكار أخذها من الآخرين. جوناثان آيف، المصمم وراء الآيماك، الآيبود، والآيفون، يخبر آيزاكسون، “إنه يدخل في عملية استقصاء لأفكاري ثم يقول، ‘هذه ليست جيدة. هذه ليست جيدة كفاية. تعجبني تلك’. وبعد ذلك أكون جالسًا في صفوف المستمعين وأجده يتحدث عن أفكاري كما لو كانت أفكاره هو”.

كانت عقلية جوبز تنقيحية وليست إبداعية. تمثلت موهبته في أخذ ما يجده أمامه – مثلًا اللوحي ذو المرقم – وتعديله بلا هوادة. بعد أن رأى النسخ التمهيدية من إعلانات الآيباد اتصل بالمؤلف، جيمس فنسنت، وقال له، “إعلاناتك مقرفة”.

“حسنًا ماذا تريد؟” صاح به فنسنت. “أنت لم تتمكن من إخباري ماذا تريد تحديدًا”.

“لا أعلم” رد جوبز. “يجب أن تحضر لي شيئًا جديدًا. لا شيء مما عرضته علي كان قريبًا حتى”.

شرح فنسنت وجهة نظره مرة أخرى وفجأة استشاط جوبز. “بلا مقدمات، بدأ بالصراخ علي”. يتذكر فنسنت. وفنسنت نفسه سريع الغضب، وتصاعد الصراخ.

عندما صاح فنسنت، “يجب أن تخبرني ماذا تريد”، صاح جوبز “يجب أن تريني بعض النماذج، وسوف أعرف ما أريد عندما أراه”.

سوف أعرف ما أريد عندما أراه. تلك كانت عقيدة جوبز، وحتى يجد ما يريده كانت رغبته في الكمال تبقيه متقدًا. نظر إلى شريط العنوان – الشريط الذي يجري في أعلى النوافذ أو المستندات – الذي صممه مطورو البرمجيات في فريقه للماكنتوش الأصلي، وقرر أنه لا يعجبه. أجبرهم على صنع نسخة أخرى، ثم أخرى، حتى وصل العدد إلى عشرين محاولة تقريبًا، في كل مرة يصر على تعديل بسيط، وعندما احتج المطورون بأن لديهم أشياء أهم ليقوموا بها، صاح بهم، “هل يمكنكم تخيل النظر إلى هذا كل يوم؟ إنه ليس شيئًا تافهًا. إنه شيء يجب أن ننجزه بطريقة صحيحة”.

جاءت حملة آبل الشهيرة “فكِّرْ بشكل مختلف” Think Different  (في الواقع هذه ليست ترجمة دقيقة لهذا الشعار، فكلمة مختلف في العربية صفة وهي كذلك في الإنجليزية، بينما أراد من ابتدع الشعار أن تكون الكلمة اسمًا، ولا حتى ترجمة “فكر باختلاف” تعتبر حلًا للمشكلة)، من فريق جوبز الدعائي في شركة TBWAChiatDay. لكن جوبز هو الذي عمل طويلًا على الشعار حتى خرج في شكل صحيح:

كان هناك جدل حول الجانب النحوي: إذا كان من المفترض أن تصف كلمة “مختلف” “different”  الفعل “فكر” “think”  إذًا يجب أن تكون حالًا كما في “فكر باختلاف” “think differently.”  لكن جوبز أصر أن تستخدم “different”  ” مختلف” كاسم كما في “think victory” ” فكر بعقلية المنتصر” أو “think beauty”” “فكر بعقلية جمالية”. كما أنها تحمل صدىً للاستخدام العامي كما في “think big” “فكر بعظمة”. قال جوبز فيما بعد مفسرًا، “ناقشنا ما إذا كان صحيحًا قبل أن نطلقه. ملاءمته النحوية، إذا تدبرت فيما نريد أن نقوله. إنه ليس فكر بنفس الطريقة بل، فكر بطريقة مختلفة. فكر بطريقة مختلفة قليلًا، فكر بطريقة مختلفة جدًا، فكر بشكل مختلف. ‘فكر باختلاف’ لم تكن لتصيب المعنى كما أراه”.

كانت الفكرة الرئيسية لدى ميسينزال وموكري هي أن هذا النوع من التعديل لا غنى عنه لأجل التقدم. اخترع جيمس وات محرك البخار الحديث، مضاعفًا كفاءة المحركات التي جاءت قبله. لكن حينما تولى المعدلون المهمة تضاعفت كفاءة المحرك بسرعة إلى أربع مرات. كان صامويل كرومبتون مسؤولًا عما يدعوه ميسينزال وموكري “ما يمكننا أن نقول عنه إنه أكثر الاختراعات إنتاجية” في الثورة الصناعية. لكن اللحظة الحاسمة في تاريخ المغزل جاءت بعد بضع سنوات، عندما كان هناك إضراب لعمال النسيج. كان أصحاب الطواحين (التي تستخدم طاقتها لإدارة المغازل) يبحثون عن طريقة لاستبدال العمال بآخرين غير مهرة، وظهرت الحاجة إلى مغزل أوتوماتيكي لا يحتاج إلى غزَّال للتحكم به. من الذي حل المشكلة؟ لم يكن كرومبتون، الذي غدا رجلًا غير طموح، كان أكبر خوفه أن اهتمام العامة لن يدعه لعزلته، عساه “يجني، غير مُقاطعٍ، ثمار عبقريته ودأبه”. لقد كان معدل المعدلين، ريتشارد روبرتس، هو الذي أنقذ الموقف، عندما قدم نموذجًا أوليًا عام ١٨٢٥، ثم نموذجًا أفضل عام ١٨٣٠. لم يمض وقت طويل حتى زاد عدد المغازل في الآلة الواحدة من أربعمائة إلى ألف. يبدأ صاحب الرؤية بورقة بيضاء، ثم يعيد تصور العالم. أما المعدِّل فيأخذ الأشياء كما هي، ثم يدفعها ويجرها نحو حالة أقرب للكمال. وهذه مهمة ليست أقل قدرًا.

كان لاري إليسون، صديق جوبز ومؤسس شركة أوراكل، يمتلك طائرة خاصة وقد صممها من الداخل بعناية فائقة. في يوم من الأيام قرر جوبز أنه يريد طائرة أيضًا. درس ما فعله إليسون بطائرته. ثم بدأ في إعادة إنتاج تصميم صديقه بكامله؛ نفس الطائرة، نفس الطريقة في إعادة تصميم الداخل، نفس الأبواب بين القمرات. في الواقع ليس نفس التصميم بكامله. يكتب آيزاكسون، كان في طائرة إليسون “باب بين القمرات به زر للفتح وآخر للقفل. أصر جوبز على أن يكون بباب طائرته زر واحد فقط يتبدل بين الوضعين. لم يعجبه أن تكون الأزرار من الفولاذ المقاوم للصدأ اللامع، فاستبدل بها أخرى من المعدن المصقول”. بعد أن عين المصممة التي استعان بها إليسون، “لم يلبث طويلًا حتى كان يقودها للجنون”. بالتأكيد كان كذلك. إن الإنجاز الأكبر لحياة جوبز هو أنه وضع غراباته – طبعه النكد، نرجسيته، ووقاحته – في خدمة الكمال. يقول إليسون “نظرت إلى طائرته وطائرتي، وكل ما غيره كان للأفضل”.

كانت أكثر المرات التي رآه فيها آيزاكسون غاضبًا، عندما بدأت موجة الهواتف الذكية التي تعمل على نظام الآندرويد الذي طورته شركة جوجل. رآى جوبز أن أجهزة الآندرويد بشاشاتها التي تعمل باللمس وأيقوناتها، هي مجرد استنساخ للآي فون. فقرر مقاضاة جوجل. كما أخبر آيزاكسون:

تقول الدعوى التي رفعناها، “جوجل، لقد سرقتم الآيفون، لقد نهبتمونا بالكامل”. سرقة علنية كبرى. ولسوف أنفق آخر نفس من حياتي إذا لزم الأمر، وسوف أنفق حتى آخر سنت من الأربعين مليارًا التي هي رصيد آبل في البنك، لتصحيح هذا الفعل الشائن. سوف أدمر الآندرويد، لأنه منتج مسروق. وإنني راغب في الدخول في حرب نووية لهذا الغرض. إنهم خائفون حتى الموت، لأنهم يعلمون أنهم مذنبون. خارج مجال محركات البحث، منتجات جوجل كلها – الأندرويد، وثائق جوجل – كلها مقرفة.

كانت ردة فعل جوبز مماثلة عندما طرحت ميكروسوفت نظام تشغيل الويندوز في الثمانينيات. فقد كانت به نفس واجهة المستخدم الرسومية – الأيقونات والفأرة – كما في الماكنتوش. كان جوبز مشتاطًا واستدعى بيل جيتس من سياتل إلى مقر آبل في وادي السيليكون. “التقوا في غرفة اجتماعات جوبز، حيث وجد جيتس نفسه محاطًا بعشرة من موظفي آبل الذين كانوا راغبين في رؤية رئيسهم يقتص منه”، يكتب آيزاكسون. “و لم يخيب جوبز ظن جنوده. ‘أنت تسرقنا!’ صاح جوبز. ‘لقد وثقت بك، وهأنتذا تسرق منا!'”.

نظر جيتس إلى جوبز بهدوء. الجميع يعرف من أين جاءت النوافذ والأيقونات. أجاب جيتس، “حسنًا يا ستيف، أظن أن هناك أكثر من طريقة لرؤية الأمر. والأمر في رأيي أشبه بأنني وأنت لدينا ذلك الجار الثري الذي يدعى زيروكس، فاقتحمت أنا منزله لأسرق تلفازه، لكنني اكتشفت أنك قد سرقته بالفعل”.

كان جوبز شخصًا يأخذ أفكار الآخرين ويغيرها. لكن لم يكن يعجبه أن يحدث له نفس الأمر. من وجهة نظره، ما كان يفعله كان شيئًا مميزًا. لقد أقنع رئيس شركة بيبسي كولا بالانضمام إلى آبل كمدير تنفيذي، عام ١٩٨٣،عندما سأله، “هل تريد أن تقضي بقية حياتك في بيع المياه الغازية، أم تريد فرصة لتغير العالم؟” عندما طلب جوبز من آيزاكسون كتابة سيرة حياته، اعتقد آيزاكسون في البداية (“نصف مازح”) أن جوبز قد لا حظ أن كتابيه السابقين كانا عن بنيامين فرانكلين وألبرت آينشتاين وأنه “رأى نفسه الشخص التالي في هذا التسلسل”. دائمًا ما كانت بنية برمجيات آبل مغلقة. لم يكن جوبز يريد للآيفون والآيبود والآيباد أن تفتح وأن يتم التلاعب بها، لأنها من وجهة نظره كانت كاملة. أعظم المعدلين في جيله لم يكن يحب أن يُعدَّل عليه.

ربما لهذا السبب كان بيل جيتس بالذات – من بين كل معاصري جوبز – أكثر من يثير أعصابه. قاوم جيتس رومانسية النزعة الكمالية تلك. مرة بعد الأخرى، يسأله آيزاكسون عن جيتس ولا يتمالك جوبز أن يستثمر هذه الفرصة المجانية للخوض في جيتس. “بيل، لا شك، عديم الخيال”. يخبر آيزاكسون، “ولم يبتكر أي شيء على الإطلاق، ولهذا السبب أعتقد أنه مرتاح الآن في العمل الخيري أكثر من عمله في التكنولوجيا. لقد سرق أفكار الآخرين بلا حياء”.

بعد قرابة ستمائة صفحة سوف يتعرف القارئ على جوبز: إنه ثاقب البصيرة، بقدر ما هو لئيم، بقدر ما هو واهم. صحيح أن جيتس مهتم الآن بمحاولة القضاء على الملاريا أكثر من اهتمامه بالإشراف على النسخة التالية من تطبيق الوورد. لكن هذا ليس دليلًا على قصورٍ في المخيلة. فالأعمال الخيرية على المستوى الذي يضطلع به جيتس تمثل الإبداع في أكبر صوره. على النقيض، رؤية جوبز، على قدر ما كانت رائعة ومتقنة، إلا أنها كانت ضيقة. لقد كان معدلًا حتى النهاية، ظل ينقح بلا كلل نفس المجال الذي بدأ فيه عندما كان شابًا.

عندما دخلت حياته في المنعطف الأخير، وسيطر السرطان على جسده، كان شغفه الأخير هو تصميم مقر آبل الجديد في كيوبرتينو على مساحة ثلاثة ملايين قدم مربع. ألقى جوبز بنفسه في التفاصيل. يكتب آيزاكسون، “مرة بعد أخرى يأتي بمفاهيم جديدة، أحيانًا أشكال جديدة تمامًا، ويجعلهم يبدؤون من جديد ويقدمون بدائل أخرى”. كان مهووسًا بالزجاج وأراد أن يضيف إلى ما تعلمه من استخدام الألواح الزجاجية الضخمة في متاجر آبل. يقول آيزاكسون، “لن تكون هناك قطعة زجاج واحدة مستقيمة في المبنى، كلها سوف تكون منحنية ومتصلة بلا فواصل.. يبلغ عرض الباحة المركزية المخطط لها ثمانمائة قدم (أكثر من ثلاثة مبانٍ سكنية، أو تقريبًا طول ثلاثة ملاعب كرة قدم)، وقد أرانيه وعليه علامات تشير إلى أنه يتسع لميدان القديس بيتر في روما”. أراد المهندسون أن تكون النوافذ من النوع الذي يمكن فتحه. قال جوبز لا. فهو “لم تعجبه أبدًا فكرة أن يكون الناس قادرين على فتح الأشياء. ‘هذا سوف يسمح للناس بإفساد كل شيء'”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2015-2016 محترف العرب لتعليم الكمبيوتر

برمجة وتصميم وادارة : عبدالله النجار و عبدالرحمن خضر Privacy-Policy | سياسة الخصوصية |